17 مايو 2026 - 19:22
هل يخدع الحريديم آيزنكوت أم يتخلون عن نتنياهو؟

تعيش الساحة السياسية الإسرائيلية في منتصف عام 2026 مخاضاً تشريعياً وسياسياً هو الأكثر خطورة منذ عقود، يتمحور حول "قانون تجنيد الحريديم" (اليهود المتدينين).

وفقا لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) للأنباء ــ أبنا ــ مع اقتراب موعد حل الكنيست والتوجه إلى انتخابات مبكرة، تندلع حرب تصريحات وتهديدات غير مسبوقة بين الأحزاب الدينية ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

في غضون ذلك، تكشفت قنوات اتصال مكثفة بين كبار قادة التيار الحريدي ورئيس حزب "يشار!" المعارض، الجنرال السابق غادي آيزنكوت.

وفي هذا السياق، يرى نداف إيال، المحلل السياسي البارز وكبير المحررين الدوليين في صحيفة "يديعوت أحرونوت" ، أن المشهد تجاوز حدود المناورة الروتينية، حيث كتب: "بدأ موسم الانتخابات بالكامل هذا الأسبوع، ووجه الحريديم الضربة القاضية للحكومة".

ويفتح هذا الاستنتاج الباب أمام تساؤل جوهري: هل يمر الحريديم بمنعطف تاريخي يدفعهم للتخلي عن نتنياهو، أم أنها تمثيلية منسقة لخداع المعارضة وكسب الوقت؟

صعود البدائل والكتل المتأرجحة

تُجمع استطلاعات الرأي الصادرة في مايو/أيار 2026 على تآكل القوة التصويتية لمعسكر نتنياهو مقابل تنامي قوة التيارات الوسطية واليمينية المعارضة.

ففي استطلاع أعدته المراسلة السياسية دافنا ليئيل عبر القناة 12 الإسرائيلية، تبين أن الليكود يعزز مقاعده بنسب طفيفة ليصل إلى 24 مقعداً، بينما يتراجع بينيت إلى 19 مقعداً، مما يشير إلى حالة من إعادة تموضع الأصوات داخل المعسكرات دون قدرة نتنياهو على حسم الأغلبية بوقوف ائتلافه عند 50 مقعداً فقط.

وفي المقابل، كشف استطلاع رأي آخر أعده يوفال سيجيف، المراسل السياسي في القناة 13 الإسرائيلية، عن تحول دراماتيكي؛ إذ أظهر الاستطلاع أن اتحاد بينيت ولابيد يتجاوز حزب الليكود بحصادٍ يبلغ 26 مقعداً مقابل 22 مقعداً لليكود، مما يعيد رسم خريطة الكتل ويمنح المعارضة تفوقاً واضحاً بأغلبية مريحة تصل إلى 61 مقعداً.

ويتكامل هذا مع الاستطلاع الذي نشره الصحفي موشيه كوهين في صحيفة "معاريف" ( 15 مايو/أيار 2026)، والذي أكد تراجع ائتلاف نتنياهو إلى 49 مقعداً مقابل 61 مقعداً للمعارضة، مشيراً إلى أن اتحاداً ثلاثياً بين "معاً" (بينيت-لابيد) و"يشار" (آيزنكوت) و"إسرائيل بيتنا" (ليبرمان) سيحصد 49 مقعداً بمفرده.

كما أظهرت المراسلة السياسية شيريت أفيتان كوهين في صحيفة "إسرائيل هيوم" ( 14 مايو/أيار 2026) أن تحالفاً ثنائياً بين آيزنكوت وليبرمان يقفز بآيزنكوت إلى 24 مقعداً متفوقاً على الليكود، في حين عبر 55% من الإسرائيليين عن رغبتهم في اعتزال نتنياهو تماماً.

إستراتيجية مدروسة أم انشقاق؟

ولم تقتصر الأزمة الراهنة على الصدام مع الليكود، بل فجرت تشققات حادة داخل الأحزاب الدينية نفسها، حيث يؤكد أهارون رابينوفيتش، الصحفي المتخصص في الشؤون الحريدية وداخليات المجتمع المتدين في صحيفة "هآرتس" ، أن العمق البنيوي للأزمة يتجاوز السطح السياسي.

وكتب "تُزعزع التصدعات في التحالف مع نتنياهو والصراعات على السلطة أركان الأحزاب الحريدية"، مشيراً إلى تباين المواقف بين طوائف "الحسيديم" واليهود "اللييائيين" داخل حزب "يهدوت هتوراه".

هذه الحالة يفسرها مئير سويسا، المدير التنفيذي في مجال الإعلان والمستشار الإستراتيجي السياسي في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، بوصفها تحركاً واعياً وليس مجرد رد فعل عاطفي، قائلاً: "هذه الأزمة ليست خللاً عابراً، بل هي إستراتيجية مدروسة" لضمان مصالح التيار الديني بغض النظر عن هوية رئيس الوزراء القادم.

وقال زعيم حزب ديغل هتوراه: "لم نعد نثق بنتنياهو، فهو مخادع. يجب أن نتحرك لحل الكنيست في أسرع وقت ممكن"،

كما اقتبس البروفيسور أرييه إلداد عضو الكنيست السابق والمفكر اليميني في صحيفة "معاريف" تصريحاً عاصفاً للحاخام الأكبر دوف لاندو، زعيم التيار الليتائي، أعلن فيه براءته من معسكر اليمين قائلاً: "إن كل أنواع الحديث عن كتلة لم تعد موجودة.. ومن الآن فصاعداً سنفعل فقط ما نعتقد أنه الأفضل لليهودية الحريدية".

التهديد والاتصال بآيزنكوت

وتُرجم هذا التحول إلى خطوات عملية؛ إذ كشف مراسل الشؤون السياسية البارز يارون أبراهام عبر القناة 12 الإسرائيلية في تقرير حصري، أن قادة الأحزاب الحريدية وجهوا رسالة مباشرة لنتنياهو مفادها أنه إذا استمر في "هذه اللعبة" فسيكتشف أنه من الممكن استغلال انعدام الثقة ووضع شخص آخر في منصب رئيس الوزراء حتى قبل الانتخابات.

وأضاف أبراهام أن الحريديم تكثف حوارها مع غادي آيزنكوت، وطلبوا منه عدم التسرع في الانضمام إلى بينيت ولابيد، نظراً لأن مسودة خطته للتجنيد "أكثر عملية وتتيح مجالاً للتسويات".

حقيقة الخلاف

في مقابل فرضية الانشقاق الحقيقي، يجزم فريق من المحللين المخضرمين بأن الأزمة بأكملها منسقة خلف الكواليس. إذ يرى أوري مسغاف، كاتب العمود السياسي اليساري في صحيفة "هآرتس"، أن الصخب الإعلامي مجرد غطاء لتفاهمات سرية، وكتب باختصار: "نتنياهو ينسق مع الحريديم، والأزمة مجرد مسرحية".

وهذا الطرح عززه سامي بيريتز، المحلل الاقتصادي البارز والمتخصص في السياسات المالية العامة في صحيفة "ذا ماركر" ، والذي كشف عن الأداة الحقيقية التي يستخدمها نتنياهو لإرضاء حلفائه، حيث نشر تقريراً حصرياً أكد فيه: "نتنياهو يروج لخطة خمسية بقيمة مليارات الشواقل لليهود المتشددين كتعويض عن عدم وجود قانون لمكافحة التهرب من التجنيد".

وتتفق رافيت هيخت، المحللة السياسية البارزة في صحيفة "هآرتس" مع هذا التقييم، واصفة تحطيم الأواني بين الطرفين بأنه "الأكثر سخافة" لأن الجمهور الحريدي يحب نتنياهو والائتلاف ينسق لتفريق المتظاهرين وتحديد الانتخابات بصيغة (حريديم في مواجهة عرب).

لكنها وجهت تحذيراً مفاده "عندما يكون نتنياهو ضعيفاً ومتخلفاً عن الركب، يكون في أخطر حالاته؛ حينها يكون حيوياً، مبدعاً، ومتحرراً من القيود"، مرجحة إمكانية لجوئه لإشعال جبهة خارجية مع إيران أو لبنان لفرض حالة الطوارئ وقلب الطاولة على الجميع.

وخلاصة القول يمثل حراك الحريديم قمة البراغماتية السياسية لحماية معاهدهم؛ فهم لا يخدعون آيزنكوت كلياً ولا يتخلون عن نتنياهو بالمطلق، بل يشقون صفوف المعارضة لضمان بديل جاهز يحمي امتيازاتهم المالية والتشريعية إذا ما احترقت ورقة الليكود في صناديق الاقتراع.

تعليقك

You are replying to: .
captcha